الشيخ الطبرسي
176
تفسير مجمع البيان
والدعاء : طلب الفعل بما يقع لأجله . والداعي إلى الفعل : خلاف الصارف عنه والفرق بين الدعاء والأمر أن في الأمر ترغيبا في الفعل ، وزجرا عن تركه ، وله صيغة تنبئ عنه . والدعاء ليس كذلك ، وكلاهما طلب . وأيضا فإن الأمر يقتضي أن يكون المأمور دون الأمر في الرتبة ، والدعاء يقتضي أن يكون فوقه . المعنى : لما تقدم ما يوجب الترغيب في الآخرة ، والتزهيد في الدنيا ، عقبه سبحانه بذكر صفة الدارين ، فقال : ( إنما مثل الحياة الدنيا ) أي : صفة الحياة الدنيا ، أو شبه الحياة الدنيا في سرعة فنائها وزوالها ( كماء أنزلناه من السماء ) وهو المطر ( فاختلط به ) أي : بذلك المطر ( نبات الأرض ) لأن المطر يدخل في خلل النبات ، فيختلط به . وقيل : معناه فاختلط بسببه بعض النبات بالبعض ، فاختلط ما يأكل الناس بما يأكل الأنعام ، وما يقتات بما يتفكه . ثم فصل ذلك فقال : ( مما يأكل الناس ) كالحبوب ، والثمار ، والبقول ( والأنعام ) كالحشيش وسائر أنواع المراعي . وقد قيل في المشبه والمشبه به في الآية أقوال : أحدها أنه تعالى شبه الحياة الدنيا بالماء فيما يكون به من الانتفاع ثم الانقطاع وثانيها أنه شبهها بالنبات على ما وصفه من الاغترار به ، ثم المصير إلى الزوال ، عن الجبائي ، وأبي مسلم وثالثها أنه تعالى شبه الحياة الدنيا بحياة مقدرة على هذه الأوصاف . ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ) أي : حسنها وبهجتها بأنواع الألوان ، وأجناس النبات ، وغير ذلك ( وازينت ) أي : تزينت في عين رائيها ( وظن أهلها ) أي : مالكها ( أنهم قادرون عليها ) أي : على الانتفاع بها ، ومعناه : بلغت المبلغ الذي ظن أهلها أنهم يحصدونها ، ويقدرون على غلتها ، أو إدامتها ( أتاها أمرنا ليلا أو نهارا ) أي : أتاها عذابنا من برد أو برد . وقيل : معناه أتاها حكمنا وقضاؤنا بإهلاكها ، وإتلافها . ( فجعلناها حصيدا ) أي : محصودة ، ومعناه : مقطوعة ، مقلوعة ، ذاهبة ، يابسة ( كأن لم تغن بالأمس ) أي : كأن لم تقم على تلك الصفة بالأمس . ومعناه : كأن لم تكن ، ولم توجد من قبل . ( كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ) أي : مثل ذلك نميز الآيات لقوم يتفكرون فيها ، فيعتبرون بها .